ستالينغراد التاريخ:

ربما إذا ذكرنا الحرب العالمية الثانية ومعاركها، ستكون “معركة ستالينغراد” الأكثر شهرة في العالم. من درس هذه الحرب بالتأكيد سوف يرى أعظم وأكبر وأكثر المعارك دموية في التاريخ الحديث تحت اسم “معركة ستالينغراد” فقد سقط خلال هذه المعركة التي استمرت 5 أشهر وعشرة أيام أكثر من مليون ونصف قتيل وملايين الجرحى المصابين. هذه المعركة الأضخم في التاريخ المعاصر، غيّرت موازين القوى ووجهة الحرب العالمية.

اتجاه المعارك لم جميعنا سمع بـ “ستالينغراد”، المدينة الروسية، إلا أن اسمها مرتبط حتى اليوم بالمعركة الكبرى التي وقعت بين السوفييت من جهة والألمان من جهة أخرى إبان الحرب العالمية الثانية. معركة اندحر فيها الجيش الألماني بقيادة هتلر، بعدما قُتل فيها أكثر من 2 مليوني شخص من الطرفين، لتعتبر من أكثر المعارك دموية في العالم والسبب الرئيسي في تغيير معادلات الحرب وقلب موازينها.

ستالينغراد الموقع والتسميات:

يعود تاريخ انشاء المدينة الى العام 1589 حيث تم بناءها كقلعة على الضفة اليمنى نهر الفولغا العظيم تحت اسم “تساريتسين”. وأصبحت مركزاً عسكرياً مهما بين نهري الفولغا والدون. تبعد عن موسكو جنوباً 1075كم. تمتد على مسافة تقارب 400 كم. عندما زارها القيصر الروسي الشهير بطرس الأكبر سنة 1723 قدّمها هدية لزوجته يكاتيرينا الأولى.

عانت المدينة الكثير من الويلات حتى أنها تعرضت للنهب والحرق وأُعيد بناؤها سنة 1731. بعد انتصار الثورة البلشفية في روسيا واستقرار الأوضاع واستلام ستالين الحكم، أطلق عليها اسمه حيث أصبحت تُعرف “ستالينغراد” حتى يومنا هذا، رغم أنه بعد موت ستالين قام خليفته خروتشوف بتغير اسمها الى “فولغاغراد” الذي ما تزال تحتفظ به حتى الآن.

يبلغ عدد سكانها أكثر من مليون نسمة وتشتهر بالصناعات الثقيلة وكذلك بتمثال “الوطن الأم يناديكم” الذي يُعدّ من أبرز وأهم معالمها الذي يجسّد الأم السوفيتية التي تدعوا أبناؤها للدفاع عنها خلال الحرب الوطنية العظمى.

ستالينغراد البداية:

الثاني والعشرين من حزيران 1941 قامت الالاف من الطائرات الحربية الألمانية من نوع “ميسرشميت Bf 109” المقاتلة الأكثر فتكاً في الحرب العالمية الثانية بهجمات مباغتة على الاتحاد السوفيتي بالإضافة الى الهجوم البري الذي شنّته الجيوش الألمانية ضد أراضيه.

كان السوفييت قد أبرموا معاهدة عدم اعتداء مع المانيا ولم يشاركوا في الحرب العالمية الثانية التي اندلعت في 1 أيلول 1939 بهجوم المانيا الهتلرية على بولندا وإعلان إنكلترا وفرنسا الحرب عليها بعد عدة أيام.

هذا الهجوم المباغت، أدى الى تقدم سريع للقوات الألمانية وحلفائها ووصولها الى مشارف موسكو العاصمة وحصار لينينغراد(بتروغراد) أكبر مدن الشمال الروسي وكذلك ستالينغراد المدينة الصناعية الأهم في الوسط.

كانت المانيا قد استولت على معظم أوروبا الغربية بما فيها فرنسا ولم يبقى سوى بريطانيا التي كانت قد حاصرتها وتقوم بقصفها بشكل مستمر. لذا فإن معظم هجومها البري ومدرعاتها توجهت الى الجبهة الشرقية.

الوجهة ستالينغراد:

كان هتلر يريد الاستلاء على حقول القمح الأوكرانية وحقول النفط والغاز في القوقاز وبحر قزوين، وكانت ستالينغراد العقبة الرئيسية في وجهه كونها عقدة مواصلات هامة سواء (الطرق البرية، النهرية، السكك الحديدية)، إضافة الى كونها من أهم المدن الصناعية التي تقدم الذخيرة والدعم اللوجستي للقوات العسكرية خاصة قذائف المدافع. لكن نعتقد أن الأمر الأكثر أهمية للإصرار على حسم المعركة واحتلال المدينة يكمن في اسمها الذي يحمل اسم عدو هتلر اللدود “ستالين”.

الملحمة الكبرى:

بدأت أحداث ومجريات المعركة الأضخم في التاريخ في 21 آب 1942 واستمرت حتى 2 شباط 1943 مخلفة وراءها كارثة إنسانية ودمار هائل ومدينة محطمة مسلوبة الإرادة. أراد الفوهرر “أدولف هتلر” الغارق في جنون عظمته بسبب انتصاره السهل على فرنسا واحتلاله لمعظم غرب أوروبا، أن يحطّم معنويات عدوه الأساسي “جوزيف ستالين” من خلال احتلال المدينة التي تحمل اسمه كما ذكرنا سابقاً، نفس الشيء كان ينطبق على ستالين الذي أصدر أوامره للقوات المدافعة عن المدينة بعدم الانسحاب وإلا سوف يواجهون محاكم عسكرية ميدانية. أي “الموت”.

هكذا بدأت الملحمة الكبرى، والتي أصبحت نقطة تحول حاسمة في الحرب العالمية الثانية. قصفت القوات الجوية الألمانية خاصة قاذفات القنابل من نوع “يونكرز يو 87” والتي دمرت معظم مباني المدينة والتحصينات السوفيتية، ثم تقدمت القوات البرية المتمثلة ب(الجيش الألماني المدرع الرابع، الجيش الألماني السادس، فرق رومانية وأخرى هنغارية وايطالية وبولونية) حيث سيطرت على معظم المدينة (90%) خلال فترة قصيرة، لكنهم عند المنطقة الصناعية اصطدموا بمقاومة مستميتة من جانب جنود وضباط الجيش الأحمر السوفييتي الذين جاءتهم التعليمات بعدم التراجع مهما كلف الأمر. حرب شوارع شرسة جرت بين الطرفين. في هذه الأثناء كان السوفييت يتحضّرون لهجوم مضاد ومباغت يغير المعادلة رأساً على عقب. وهو ما جرى بالفعل.

الهجوم المضاد:

تم تكليف القائد العسكري السوفيتي القدير المارشال “غيورغي جوكوف” من قبل ستالين بقيادة جبهات القتال والتنسيق فيما بينها ومعه الجنرال “فاسيليفسكي” والجنرال “فورونوف” حيث تقرر القيام بهجوم مضاد ساحق وصاعق ضد الجيشين المدرع الرابع والسادس الألماني بقيادة الجنرال فون باولوس.

صبيحة التاسع عشر من تشرين الأول 1942 قام الجيش الأحمر السوفيتي بهجوم مضاد حيث قصف بالمدفعية الثقيلة والطائرات الجناح الجنوبي الغربي للقوات الألمانية واستطاع أن يخترقه بسرعة، مما أدى تطويق الجيش الألماني السادس. حاول الألمان دعم قواتهم حيث أمر هتلر بتشكيل “مجموعة جيوش الدون” تحت امرة المارشال “فون مانشتاين” لكنها فشلت. اجتمعت القيادة الألمانية العليا لمناقشة الوضع حيث طالب قائد الجيش السادس فون باولوس بالسماح له بعملية لكسر التطويق قبل اطباق الحصار الكامل والانسحاب، لكن القيادة رفضت وقرر هتلر ترقيته الى رتبة مارشال كما وعده بتقديم الدعم الجوي له. حارب باولوس بضراوة لكنه تعرض لخسائر فادحة دفعته في نهاية الأمر الى الاستسلام للمارشال السوفيتي “روكوسوفسكي” في 31 كانون الثاني 1943 بينما استمر الفيلق 11 بقيادة الجنرال “شتريكر” بالقتال حتى عصر الثاني من شباط عندما نفذت منه المؤن والذخيرة حيث اضطر للاستسلام.

نهاية المعركة:

كانت خسارة الألمان وحلفائهم في معركة ستالينغراد كبيرة فادحة فقد وصلت الى حوالي 700 الف ما بين قتيل وجريح. فمن أصل 300 ألف عناصر الجيش السادس الألماني لم يبقى للاستسلام مع فون باولوس سوى 91 ألف بينهم 2500 ضابط منهم 24 جنرالاً. أي أنه خسر في هذه المعركة لوحدها 209 الاف من الجنود والضباط بالإضافة الى الخسائر الكبيرة في المعدات. يكفي أن نذكر أن الألمان خسروا ما يقارب 425 طائرة خلال فترة المعركة وخاصة خلال ارسال المؤن والمواد للجيش السادس المحاصر.

خسر السوفييت أيضاً أكثر من مليون جندي ومدني بين قتيل وجريح وكان معدل عمر الجندي السوفييتي خلال المعركة لا يتجاوز 24 ساعة لشدّة المعارك وضراوتها خاصة القناصة والطائرات وغيرها.

وهكذا يسدل التاريخ الستار على واحدة من أبشع وأنشع المعارك في التاريخ البشري.