الجغرافيا الحيوية :

مثلها مثل سائر العلوم كانت الجغرافيا الحيوية محط أنظار العلماء والفلاسفة والمفكرين منذ بداية تكون العقل البشري والبدء بالتساؤل ومحاولة إدراك وفهم ما يدور حوله. اختص هذا العلم بالأرض وما يحيط بها بشكل عام وهو ينقسم بشكل رئيسي الى قسمين: الجغرافيا الطبيعية والجغرافيا البشرية. تعددت فروع الجغرافيا الطبيعية المتأثرة بالإنسان بالدرجة الأولى، حيث تظهر بوضوح بصمات الانسان على ما جرى للغلاف الجوي للأرض والتقلبات التي تعصف بالكون خاصة في المئتين سنة الأخيرة. فقد انقرضت العديد من الأحياء وتقلصت مساحة الغابات وانحسرت مياه البحار والأنهر حتى وصلت الى الجفاف والزوال.
مقالنا اليوم سيكون هذه فرع الجغرافيا الحيوية من فروع الجغرافيا الطبيعية، لنتعرف على ماهيتها، أهدافها، خصائصها، علاقاتها بالعلوم الأخرى.

تعريف الجغرافيا الحيوية:

كثرت التعاريف وتعددت، فالبعض من العلماء عرّفها بأنها “جغرافية الأشياء الحية (الإنسان، الحيوان، النبات) التي تركز عنايتها بظاهرات الغلاف الحيوي ومنهم ما قال بأنها “علم دراسة توزيع الكائنات الحية على سطح الأرض وتعليل هذا التوزيع”. فيما توجهت (ماريون اليزابيث نيوبيجين 1869 / 1934 عالمة احياء وجغرافية اسكوتلندية) إلى اعتبارها “مرادفة لجغرافية النبات والحيوان”. بينما يُعرّف (عالم البيئة والنبات الكندي بيير دانسيرو 1911 / 2011) بأنها ” دراسة للنبات والحيوان من حيث المنشأ والتوزيع والتكييف البيئي”.
أما (مارجريت اندرسون الكاتبة والصحفية الأمريكية 1886 / 1973) تقول بأنها عبارة عن “دراسة العلاقة البيولوجية بين الإنسان وكل ما يوجد في بيئته الطبيعية من كائنات حيه وغير حيه”.

أهميتها :

نتيجة للتغيرات الكبيرة التي أصابت كوكب الأرض في السنوات الأخيرة، وظهور الكثير من المشكلات التي تهدد الحياة على الكوكب (التصحّر، التلوث، الجفاف، الانحباس الحراري، ثقب الأوزون، وغيرها) والتي بمعظمها مرتبط بالكائنات الحية على سطح الكوكب والإنسان وما يحيط به، زاد الاهتمام بهذه الجغرافيا الحيوية كونها تمثل ركيزة أساسية لاستمرارية الحياة على كوكبنا.
فبدون التعرف من خلال الجغرافية الحيوية على أسباب وعوامل نشوء المشكلات التي تحيط بالإنسان وتُحدث التغير حوله، لن نتمكن من حل هذه المعضلات والخروج من النفق المظلم الذي نسير فيه الآن. مواردنا الحيوية تتضاءل بسرعة والمشاكل الاقتصادية والبيئة تزداد، لذا ارتفعت صحيات التحذير من خطورة الأمر في مؤتمر قمة الأرض الذي انعقد في العام 1992 للحد من النزعة التدميرية لدى الانسان ودعوة العلماء الى الاهتمام بالمحيط الحيوي للكوكب وضرورة وضع استراتيجيات وطنية لصون وحماية التنوع البيئي الحيوي.

مراحل الجغرافية الحيوية :

لم يتطور هذا العلم هكذا بسهولة فهو كان موجوداً منذ العصور القديمة وتمت دراسته في الحضارات القديمة (اليونانية، المصرية، بلاد الشام، مزبوتاميا أو بلاد ما بين النهرين). نستطيع القول بانها تُعدّ المرحلة الأولى وقد برزت خلالها، العديد من الأسماء لمفكّرين وفلاسفة وعلماء انتبهوا ونبّهوا الى هذه الجغرافيا نذكر منهم:
-أبقراط 377 / 460 ق.م وكتابه الأجواء والأماكن.
-أرسطو 322 / 384 الذي يُعدّ أبَ الجغرافيا الحيوية وواضع قواعدها من خلال طرحه لسؤالين في غاية الأهمية هما: 1 من أين جاءت الحياة؟ 2 كيف تنوعت وانتشرت على سطح الأرض؟

-ثيوفراستوس 371 – 287 ق.م الذي ألف كتابان في غاية الأهمية هما: 1- التحقيق حول النباتات , 2- أسباب النباتات.
المرحلة الثانية تبدأ مع النهضة التنويرية التي بدأت في أوروبا عندها اكتشف الأوروبيون التنوع البيولوجي للحياة من خلال مجموعة من العلماء المختصين في هذا المجال نذكر منهم:

-كارل لينوس 1707 / 1778 عالم النبات السويدي الذي كان طبيباً وجيولوجياً ومربياً وعالم حيوان. صنّفه ملك السويد أدولف فريدريك كأحد النبلاء سنة 1757 يُعتبر بحق أحد آباء علم الجغرافيا الحيوية. حيث وضع طرق تصنيف الكائنات الحية من خلال استكشافه للأراضي الغير مكتشفة.
-جورج لويس بوفون 1707 – 1788 عالم الطبيعة الفرنسي الذي عمل على تصنيف الحياة البرية وذلك عندما لاحظ تغيرات المناخ وكيفية انتشار الكائنات الحية في مناطق مختلفة من العالم. أثبت أن البيئات المتماثلة تستضيف أنواع متشابهة من الكائنات الحية.
-فيلهلم فون هومبولت 1769 / 1859 عالم الماني مختص بالتاريخ الطبيعي وجغرافي ومستكشف وضع حجر الأساس لعلوم الجغرافيا الحيوية عبر مفهوم البنية التحتية العامة وإظهار وحدة العلوم وتشابكها.
-أوغسطين دي كاندول 1778 / 1841 عالم النبات السويسري الذي وثق مئات العائلات النباتية وأنشأ نظام تصنيف جديد للنباتات الطبيعية.
-تشارلز لايل 1797 / 1875 عالم جيولوجي بريطاني مؤلف كتاب مبادئ الجيولوجيا له دور كبير في بناء مفهوم وعلم الجغرافية الحيوية من خلال تطوير نظرية الوتيرة الواحدة بعد دراسته المستحاثات. شرحت هذه النظرية أنه لم يتم خلق العالم من خلال حدث كبير واحد إنما من خلال العديد من أحداث ومراحل الخلق.

أهداف الجغرافية الحيوية:

تهدف بالدرجة الأولى الى التعرّف على الكائنات الحية وأمكن عيشها وطريقة تنظيمها ومدى غزارتها، بالإضافة الى دراسة ومعرفة العلاقات المتبادلة فيما بين هذه الكائنات (النباتات، الحيوان، الإنسان) وصولاً الى تنظيمها وترتيبها في قوائم وتصنيفات ومعرفة أشكالها وتجانسها. كما يهدف علم الجغرافية الحيوية الى إيجاد الحلول للمشاكل التي تتسبب في صعوبة الحياة على الكوكب وعلاقة ذلك بالكائنات الحية.

وظائف الجغرافية الحيوية :

أهم الوظائف التي تقوم بها الجغرافيا الحيوية والقائمين عليها يمكن أن نختصرها بالوظيفتين التاليتين:
-تحليل وتقييم الكثير من لمشكلات المتعلقة بالتوزيع الحيواني والنباتي. على سبيل المثال تفسير أسباب معيشتها في أماكن خاصة بعينة كوجود أشجار السكواة الشاهقة والتي ترتفع الى أكثر من 300 قدم فقط على الساحل الغربي لأمريكا الشمالية وعلى وجه الخصوص في الجزء الأوسط من الساحل. مثال آخر وجود الكنغر فقط في استراليا ولا يوجد في أي مكان آخر على الكوكب.
-تفسير عملية استجابة النباتات والحيوانات لبيئاتها ولبعضها البعض وتوضيحها بشكل جلي، وكيفية تعاملها وتأثير بعض العوامل الطبيعية البيئة عليها الرياح والتربة والمياه ودورها في تطور ونمو وانتشار الحيوانات والنباتات على حد سواء.