• من أين جاءت التسمية؟

مصطلح “النمور الآسيوية”، مقتبس من الثقافات الآسيوية بشكل عام والتي يحظى فيها النمر بمكانة خاصة، حيث يتميز النمر الآسيوي عن غيره من النمور، بسرعة حركته ومباغتته لأعدائه. ظهر هذه المصطلح في الفترة الممتدة بين ستينيات وتسعينيات القرن الماضي حيث شهدت أربع دول آسيوية نهضة اقتصادية عملاقة وأصبحت في مصاف الدول المزدهرة بعد أن كانت تعتبر دول فقيرة ومتخلفة ومنهارة بسبب الحروب الأهلية.

  • من هي النمور الآسيوية الأربع:

النمور الآسيوية الأربعة.. هي واحدة من أكثر تجارب النهضة الاقتصادية الناجحة على مستوى العالم. أربع دول صغرة وفقيرة وخارجة من أتون حروب مدمرة ومقسمة استطاعت خلال فترة قياسية أن تنهض وتقف على قدميها وتنافس كبريات الاقتصاديات في العالم.

كوريا الجنوبية، هونغ كونغ، تايوان، وسنغافورة، أربع دول سطعت كنجوم في سماء اقتصاديا اسيا والعالم أجمع. استفادت من التكنولوجيا وحققت تقدماً كبيراً في نهضتها التنموية البشرية والإدارية والاقتصادية.

  •  ولادة النمور الأربعة:

تركت الحرب العالمية الثانية (1939 / 1945) ونتائجها الكارثية والمدمرة على معظم دول العالم، آثاراً وصدمات في قارة آسيا، ولعل أكثرها ايلاماً كان التدخل الفرنسي ومن ثم الأمريكي في الهند الصينية (فييتنام، لاووس، كمبوديا) وكذلك شبه الجزيرة الكورية خلال أعوام (1950 / 1953) التي نتج عنها تقسيم البلاد الى جمهورية شمالية ذات توجه اشتركي، وجمهورية جنوبية ذات طابع رأسمالي واقتصاد حر. ساعدت فترة الهدنة المؤقت ووقف الحرب في افساح المجال أمام هذه البلدان للانفتاح على العالم بشكل تدرجي. قامت هذه البلدان الأربعة بإنشاء الموانئ والمطارات وحرصت على إعادة تأهيل بنيتها التحتية المدمرة حيث دمر الاستعمار البريطاني كلا من هونغ كونغ وسنغافورة بينما دمرت الصين بنية تايوان، أما أمريكا فقد تكفلت بتدمير كوريا الجنوبية.

  • فيما يلي لمحة موجزة عن هذه النمور الأربعة:

النمر الأول: هونج كونج

نشأ اقتصاد هونج كونج فعلياً في خمسينيات القرن الماضي، وهو ما يجعلها أول النمور الآسيوية الأربعة. إذ تمكنت من خلال العمالة الرخيصة والحوافز الضريبية المعقولة من جذب العديد من الشركات الكبيرة والمتوسطة إلى المدينة، كما أنها استغلت الثروة الجديدة في التوجه نحو موجدة كبيرة من التطوير العقاري في الثمانينيات، وتطوير البنية التحتية وخصوصاً السكك الحديدية. يكفي أن نذكر أنه في الفترة ما بين عامي 1961 و1997 تضاعف الناتج المحلي الإجمالي لهونج كونج 180 مرة، وهو ما جعلها اليوم واحدة من أغنى الدول في العالم.

مرد هذا الأمر يعود الى الحكومة التي حرصت دوماً على تقليل مستويات الدين العام، وهو ما أفسح الطريق أمام ذلك البلد من أجل مواصلة النمو حتى اليوم، وإن كان بوتيرة أقل دراماتيكية.

النمور الآسيوية (هونغ كونغ)

النمر الثاني: سنغافورة

استطاعت سنغافورة أن تصنع لنفسها مكانة دولية في عالم المال، مستفيدة من موقعها الإستراتيجي في جنوب شرق آسيا، وهو ما مكنها بسهولة من كسب سمعة طيبة كمركز عالمي للتجارة. تُعتبر سنغافورة الآن من أكبر مراكز صرف العملات في العالم، وتضم تنوعا هائلا من المغتربين، وذلك نتيجة للكميات الهائلة من الاستثمارات الأجنبية التي استطاعت جذبها على مر السنين. كما أنها تمتلك الناتج المحلي الأعلى بين النمور الأربعة.

النمور الآسيوية (سنغافوره)

النمر الثالث: تايوان

قرب تايوان من العملاق الصيني سمح لها بالازدهار اقتصادياً جنباً إلى جنب مع جارتها، حيث ساعدت الاستثمارات الصينية في بناء ناطحات سحاب، وشبكات للقطارات عالية السرعة، وتأسيس نظام تعليمي قوي. في وقت مبكر من ستينيات القرن الماضي، كان نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في تايوان 170 دولاراً، ولكن في العام 2015 ارتفع إلى 22.469 ألف دولار، وربما لا تكون تايوان هي النمر الأغنى، ولكن تجربتها بالتأكيد فائقة النجاح.

النمور الآسيوية (تايوان)

النمر الرابع: كوريا الجنوبية

كوريا الجنوبية التي لطالما عرفها العالم على أنها دولة زراعية، قضت طوال القرن الـ 20 في دعم الصناعات الحديثة مثل الإلكترونيات، والروبوتات، وتطوير البرمجيات.

ساعدتها هذه الإستراتيجية على احداث نمو في الناتج المحلي للبلاد بمعدل بلغ 10% سنوياً في الفترة ما بين عامي 1962 و1995، وفقاً للبنك الدولي، وتعتبر حالياً واحدة من بين الاقتصادات الأكثر تقدماً في آسيا.

النمور الآسيوية (كورية الجنوبية)

  • ما يمكن استنتاجه من تجربة النمور الأربعة:

نجاح النمور الآسيوية الأربعة يرجع إلى وجودها في المكان والوقت المناسبين، حيث انتهت الحرب، بينما تبحث العولمة عن مركز تجاري آسيوي واحد قوي على الأقل.

“الحكم الرشيد” ومن خلاله مكافحة الفساد بشكل عام وفرض قيود واتخاذ تدابير في غاية الشدة تجاه الفساد والمفسدين.

العمل على تجنب تراكم الديون وذلك من خلال بناء احتياطيات كبيرة من رأس المال والمدخرات. الأمر الذي ساعدها فيما بعد على الصمود في وجه الأزمات المالية والتعافي بسرعة وإعادة إنعاش السوق المحلية.

  • كيف نجحت النمور الآسيوية؟

تضافرت عدة من العوامل لإنجاح التجارب الاقتصادية في دول النمور الآسيوية الأربعة، منها داخلية وأخرى خارجية. سوف نذكر لكم هذه العوامل بشكل موجز

-العوامل الداخلية :

اعتمادها على استراتيجية تنمية القدرات البشرية في ظل ندرة وشح الثروات الطبيعية حيث ركّزت على عملية الصناعات التصديرية أي جلب المواد الخام الأولية من الخارج وتصنيعها في الداخل بحيث تساعد على توفير الكثير من فرص العمل.

استفادت من هذه الصناعات التصديرية برخص أسعارها ومنافستها مع الدول الأخرى المصنّعة لمثل هذه السلع من خلال كثافة العمالة ذات الأجر الرخيص لديها. وبذلك أجبرت شركات استثمارية كبرى الى القدوم اليها والاستثمار فيها.

اتخاذ العديد من الإجراءات لاستمرار هذه الاستثمارات بحيث عمدت الى تخصيص أسعار معقولة وتناسب دخل الفرد للمواد الغذائية.

-العوامل الخارجية:

أما العوامل الخارجية التي أسهمت في نجاح تجارب دول النمور فيمكن ايجازها على الشكل التالي:

الحرب الباردة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية بين قطبي العالم الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة الامريكية. وبسبب تبعية النمور للغرب قدمت أوروبا وأمريكا دعماً كبيراً لها.

تواجد قواعد عسكرية للدول الغربية على أراضي هذه النمور ساهم في تخفيف ميزانيات الدفاع وتوجيهها للإنفاق في مجالات أخرى تفيد المجتمع.

توفير نظام صندوق النقد الدولي لهذه البلدان الدخول في صفقات تصدير واستيراد طويلة الأجل وهي مطمئنة لعدم وجود تقلبات فجائية وحادة في أسعار الصرف، كما أن هذا النظام وفر لها موارد السيولة عند الحاجة بأسعار فائدة معقولة.